المشاركات

التعصب

​ ثمة فرق جوهري بين الإنسان الذي يرى، وذاك الذي يظنّ أنه يرى. الأول يحمل في داخله شيئاً نادراً يُشبه البوصلة، تحرّكه نحو الحقيقة حتى حين تكون الحقيقة غير مريحة. يفكّر ويتأمل، يتعاطف ولا ينجرف، يستمع وفي أذنيه مصفاة لا جدار. هذا الإنسان العاقل، حين يتكلم تشعر أن للكلام ثقلاً، وحين يصمت تشعر أن الصمت يقول شيئاً أيضاً. لكن الغريب في الأمر، أن هذا الإنسان نفسه، بكل رصانته وعمقه وحسن نظره، يكفي أن يتعصّب لشيء أو لفكرة حتى يتبدّل تماماً. كأن التعصّب يسرق منه تلك البوصلة دون أن يشعر. التعصّب لا يُعلنُ عن نفسه. لا يدقّ الباب ويقول “أنا هنا”. يتسلّل في هيئة حبّ، وهذا ما يجعله خطيراً. تبدأ بمحبة فريق، أو فكرة، أو رمز، ثم تجد نفسك فجأة تُحلّل كل شيء من زاوية واحدة ضيّقة كثقب الإبرة، ولا ترى ما حولها من فضاء. تُصبح كمن يشاهد لوحة فنية وأنفه يلامس القماش. وهنا المفارقة القاسية: أعمق الناس حين يتعصبون يصبحون أكثرهم بساطةً وإزعاجاً. الرجل الذي كنت تسمعه فتستريح، تجده حين يتعصب لناديه أو لمعتقده السياسي قد تحوّل إلى صوتٍ مزعج يتكرر بلا توقف، يرفض كل ما لا يصبّ في قناعته، ويرى كل اعتراض عداوةً وكل تساؤ...

رحلة الابتكار: من شرارة الفضول إلى خلق القيمة عبر الفشل والتعلم.

الابتكار ليس حدث عشوائي ولا هو مسار خطي مستقيم. إنه رحلة ديناميكية تبدأ ببذرة فكرة وتنضج لتصبح قيمة ملموسة في السوق. ويمكن فهم هذه الرحلة من خلال أربع مراحل أساسية متداخلة ، لكل منها دور محوري: 1. الخيال (The Spark): هو حيز الاحتمالات اللامحدودة حيث نتجاوز الواقع وقيوده. هنا نرسم النقاط الأولى التي قد تبدو غير مترابطة. 2. الإبداع (Connecting the Dots): هي المرحلة التي يتحول فيها الخيال إلى مفهوم. الإبداع هو فن ربط تلك النقاط المتفرقة لتشكيل حلٍّ هادف ومنطقي. 3. الاختراع (Making it Real): هنا تتحول الفكرة المجردة إلى واقع ملموس. هذه مرحلة بناء النماذج الأولية والتجريب التقني وفيها تكون حفظ حقوق الملكية ببراءة اختراع وهي غالباً ما تكون معقدة وتتطلب موارد ومهارات متخصصة للتحقق من الجدوى التقنية. يمكن تشبيه الاختراع بالمركبة التي تم تصميمها وبناؤها واختبارها تقنياً، لكنها لم تخضع بعد لاختبارات السوق الحقيقية (مرغوب من العميل- حيوي ومستدام تجارياً- قابل للتطبيق) وقد لا تنجح في تحقيق القيمة فلا تصبح ابتكار. 4. الابتكار (Creating Value): هذه هي الغاية النهائية حيث يلتقي الاختراع بالسوق...

في السعودية: حين يصبح الابتكار أسلوب حياة

في مشهد يبعث على الفخر والاعتزاز قبل احتفالنا باليوم الوطني شهدنا اليوم إنجاز رقمي مهم تمثل في الربط بين مستشفى صحة الافتراضي ووزارة الصحة السورية. وقد تجسدت هذه الشراكة بمقابلة وزير الصحة السعودي الأستاذ فهد الجلاجل ونظيره السوري لأول مريض يستفيد من هذه الخدمة. هذا  الحدث  ليس سوى جزء من صورة أكبر لمشاهد تبدو متفرقة لكنها تتحد في معنى واحد:  الابتكار الذي يخلق قيمة. فسواء كان طبيب يفتح استشارة عبر المستشفى الافتراضي، أو حاج يكمل إجراءات رحلته في دقائق عبر منصة نسك، أو طالب في أكاديمية طويق يختبر نموذج ذكي عربي، أو أسرة تستمتع بفعالية من هيئة الترفيه؛ فإن القاسم المشترك هو توفير...

مرآة المستقبل

لم تعد المدنُ تُغريني بأسواقها الصاخبة، ولا بمطاعمها التي تعدُ بقصص عابرة، ولا حتى بمتاحفها التي تروي ماضيها. صرتُ أبحثُ في كل مدينةٍ أزورها عن شيءٍ أعمق عن نبضها الذي يسري في شرايين المستقبل عن روحها التي تتشكل في هدوء وصخب داخل مراكزها العلمية. هذا الشغف لم يولد فجأة بل تسلل إلى روحي قبل سنوات حين أدركتُ أن عقول المدن أكثر دهشة من معالمها.  تحوّل فضولي من حجارة المباني إلى بريق العقول التي تبنيها. أصبحتُ أرى في هذه المراكز قصص لا تُروى في الكتيبات السياحية حكايات عن المستقبل يكتبها أطفال اليوم ورجال الغد. كنت أزورها تارةً كعابرٍ سبيل وتارةً أخرى كصديقٍ...

عندما يصبح الفشل صديقك المفضل

عندما يصبح الفشل صديقك المفضل: كيف حُوّلت عقلية النمو من تجربة شخصية إلى قاعدة نجاح؟ بدأت القصة ببداية تجربتي التعليمية في كندا، وجدت أن الحديث الدائم عن (عقلية النمو) (Growth Mindset) مبالغاً فيه إلى حدٍ ما هذا كان الانطباع الأول. كل شيء في المدارس والجامعات كان يدور حولها: من لوحات الصف إلى مناهج التدريس، وحتى في طريقة تفاعل الأساتذة مع الطلاب. ظننتُ أنها مجرد (موضة تربوية) أخرى، لكن ما لبثتُ أن أدركتُ شيئاً أعمق غيّر انطباعي الأول: هذه العقلية ليست مجرد شعار، بل هي الأساس الخفي للنجاح المستدام. كنتُ أقف ذات يوم أمام سبورة طبشورية، أراقب طالب يرفع يده بإصرار بعد أن أخطأ في جواب بسيط: 7 × 8 = ؟ أجاب: 55. الجواب خاطئ.لكن ما حدث بعده كان مدهشاً: لم يُخفِ وجهه، ولم يعتذر. بل تقدم للأمام، وقال: أعشق التحدي. في تلك اللحظة، شعرتُ أنني أمام نموذج حيّ لما تحدثت عنه عالِمة النفس الأمريكية أستاذة جامعة ستانفورد كارول دويك: الفرق بين من يبحث عن إثبات الذكاء، ومن يبحث عن تعلم درس جديد. * ما هي عقلية النمو، ومن أين جاءت؟ عقلية النمو هي الاعتقاد بأن القدرات-ذهنية كانت أم مهارية-يمكن تطويرها بالمما...

كيف تُصنع النهضة من ⁧‫الابتكار‬⁩؟

كيف تُصنع النهضة من ⁧‫الابتكار‬⁩؟ ‏ من هذا السؤال بدأت فكرة السفر إلى ⁧‫الصين‬⁩ لأفهم كيف تحولت من دولة تعاني اقتصاديًا إلى مصنع العالم ومختبر الابتكار. ‏ثم ظهرت أسئلة نابعة من التساؤل الرئيسي:  ما هو دور الابتكار؟ وكيف تُبنى النهضة؟ ‏ وبعد بحث طويل لم أجد مدينة تُشبع فضولي مثل شنجن أو كما يسميها الصينيون "شيزن". ⁦‪#Shenzhen‬⁩ ‏شنجن (وادي السيليكون الصيني):  قصة بدأت من لا شيء. ‏ من قرية صيادين عام 1980، إلى مدينة تحتضن عمالقة التقنية مثل Huawei وTencent وDJI، وأصبحت تسابق الزمن. ‏بدأنا التخطيط أنا والصديق أحمد الفواز وخاطبنا شركات تهتم: بالتعليم، الابتكار، العقار، الذكاء الاصطناعي. ‏ وأضفنا للزيارة منطقة هونج كونج، المنطقة التي تبعد 15 دقيقة فقط بالقطار، حيث المال والأعمال وريادة اللوجستيات. ‏وصلنا مطار شنجن، وبدأت أولى المفاجآت: ‏ لا Google Maps، لا WhatsApp، لا Uber … الخ ‏ صين بلا تطبيقاتنا المعتادة وهنا بدأت الحكاية. ‏البيانات:  في الصين، البيانات ليست مجرد أرقام ‏ هي ثروة وطنية، أداة لصنع القرار. ‏ كل شيء عندهم مبني على حماية البيانات، حتى أبسط التطبيقات. ‏ كل تطبيق...

القيم تصنع الأمم

أسبوع واحد يتصدّر العطاء خبران يجمعهما المكان (⁧‫السعودية‬⁩)🇸🇦 والمعنى ‏ تبرّع ⁧‫سمو ولي العهد‬⁩ الأمير محمد بن سلمان بالدم إيذاناً بحملة وطنية، وتكريم مواطن خاطَر بحياته (ماهر الدلبحي) لدفع شاحنة مشتعلة بعيداً عن محطة وقود. لم تكن اللقطتان بطولتين عابرتين بل تجسيد لقيم وطنية راسخة. ‏⁧‫# السؤال‬⁩ : هل القيم مجرّد صفات شخصية، أم بنية تحتية تنهض عليها المجتمعات؟ ‏وللاجابة على هذه التساؤلات ننطلق برحلة مختصرة من السعودية مروراً ببعض النماذج العالمية. ‏ القِيم: من الذاكرة السعودية إلى الرؤية ‏(الفزعة) و (التبرع) تمثلان قيمة العطاء والتي هي في الذاكرة السعودية ليست كلمة شاعرية؛ إنها موقف اجتماعي متجذّر لمساندة الغير دون انتظار مقابل تعزز...