التعصب
ثمة فرق جوهري بين الإنسان الذي يرى، وذاك الذي يظنّ أنه يرى. الأول يحمل في داخله شيئاً نادراً يُشبه البوصلة، تحرّكه نحو الحقيقة حتى حين تكون الحقيقة غير مريحة. يفكّر ويتأمل، يتعاطف ولا ينجرف، يستمع وفي أذنيه مصفاة لا جدار. هذا الإنسان العاقل، حين يتكلم تشعر أن للكلام ثقلاً، وحين يصمت تشعر أن الصمت يقول شيئاً أيضاً. لكن الغريب في الأمر، أن هذا الإنسان نفسه، بكل رصانته وعمقه وحسن نظره، يكفي أن يتعصّب لشيء أو لفكرة حتى يتبدّل تماماً. كأن التعصّب يسرق منه تلك البوصلة دون أن يشعر. التعصّب لا يُعلنُ عن نفسه. لا يدقّ الباب ويقول “أنا هنا”. يتسلّل في هيئة حبّ، وهذا ما يجعله خطيراً. تبدأ بمحبة فريق، أو فكرة، أو رمز، ثم تجد نفسك فجأة تُحلّل كل شيء من زاوية واحدة ضيّقة كثقب الإبرة، ولا ترى ما حولها من فضاء. تُصبح كمن يشاهد لوحة فنية وأنفه يلامس القماش. وهنا المفارقة القاسية: أعمق الناس حين يتعصبون يصبحون أكثرهم بساطةً وإزعاجاً. الرجل الذي كنت تسمعه فتستريح، تجده حين يتعصب لناديه أو لمعتقده السياسي قد تحوّل إلى صوتٍ مزعج يتكرر بلا توقف، يرفض كل ما لا يصبّ في قناعته، ويرى كل اعتراض عداوةً وكل تساؤ...